الشيخ الطبرسي
438
تفسير مجمع البيان
استعمل البعض في موضع الكل ، تلطفا في الخطاب ، وتوسعا في الكلام ، كما قال الشاعر : قد يدرك المتأني بعض حاجته ، وقد يكون من المستعجل الزلل وكأنه قال : أقل ما فيه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم ، وفي ذلك البعض هلاككم . وقال علي بن عيسى : إنما قال ( بعض الذي يعدكم ) على المظاهرة بالحجاج أي : إنه يكفي بعضه ، فكيف جميعه . ( إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) أي : لا يهدي إلى جنته وثوابه من هو مسرف على نفسه ، متجاوز عن الحد في المعصية ، كذاب على ربه . ويجوز أن يكون هذا حكاية عن قول المؤمن . ويجوز أن يكون ابتداء الكلام من الله تعالى . ثم ذكرهم هذا المؤمن ما هم فيه من الملك ، ليشكروا الله على ذلك بالإيمان به ، فقال : ( يا قوم لكم الملك اليوم ) أي : لكم السلطان على أهل الأرض ، يعني أرض مصر اليوم ( ظاهرين في الأرض ) أي : عالين فيها ، غالبين عليها ، قاهرين لأهلها ( فمن ينصرنا من بأس الله ) أي : من يمنعنا من عذاب الله ( إن جاءنا ) ومعناه : لا تتعرضوا لعذاب الله بقتل النبي وتكذيبه ، فلا مانع من عذاب الله إن حل بكم . ف ( قال فرعون ) عند ذلك ( ما أريكم إلا ما أرى ) أي : ما أشير عليكم إلا بما أراه صوابا ، وأرضاه لنفسي . وقيل : معناه ما أعلمكم إلا ما أعلم ( وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) وما أرشدكم إلا إلى ما هو طريق الرشاد ، والصواب عندي ، وهو قتل موسى ، والتكذيب به ، واتخاذي إلها وربا . ثم ذكرهم ما نزل بمن قبلهم ، وذلك قوله . ( وقال الذي امن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ) أي : عذابا مثل يوم الأحزاب . قال الجبائي : القائل لذلك موسى ، لأن المؤمن من آل فرعون . كان يكتم إيمانه . وهذا لا يصح لأنه قريب من قوله : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) وأراد بالأحزاب الجماعات التي تحزبت على أنبيائها بالتكذيب ، وقد يطلق اليوم على النعمة والمحنة ، فكأنه قال : يوم هلاكهم . ( مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ( 31 ) ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد ( 32 ) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله